الشيخ محمد رشيد رضا

421

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

به الانذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة ، فذلك لا يحصل به إنذار ولا تخويف ، بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه ، كما نشاهد الآن من المتجردين له . وقال تعالى ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) وأراد به معاني الايمان دون الفتوى اه وروي عن أبي حنيفة تفسيره بمعرفة النفس ما لها وما عليها وأقول ذكرت هذه المادة في عشرين موضعا من القران تسعة عشر منها تدل على أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم ، والتعمق في العلم ، الذي يترتب عليه الانتفاع به ، وأظهره نفي الفقه عن الكفار والمنافقين ، لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفى فقهه عنهم ، ففاتتهم المنفعة من الفهم الدقيق والعلم المتمكن من النفس ومنه قول قوم نوح لنبيهم ( ما نفقه كثيرا مما تقول ) وان تراءى لغير الفقيه أنه ليس منه ، فإنهم كانوا يفهمون كل ما يقول فهما سطحيا ساذجا لأنه يكلمهم بلغتهم ، ولكن لم يكونوا يبلغون ما في أعماق بعض الحكم والمواعظ من الغايات البعيدة لعدم تصديقهم إياه ، وعدم احترامهم له ، ولأنه مخالف لتقاليدهم وأهوائهم الصادة لهم عن التفكير فيه والاعتبار به . وأما الموضع العشرون فهو قوله تعالى حكاية عن نبيه موسى ( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي ) وهو لا ينافي ما ذكر لان فصاحة لسان الداعية إلى الدين والواعظ المنذر تعين على تدبر ما يقول وفقهه إذا تمهد هذا فقوله تعالى ( وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ) معناه نقسم أننا قد خلقنا وبثثنا في العالم كثيرا من الجن والانس لأجل سكنى جهنم والمقام فيها ، أي كما ذرأنا للجنة مثل ذلك ، وهو مقتضى استعداد الفريقين ( فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ) وبماذا كان هؤلاء معدين لجهنم دون الجنة وما صفاتهم المؤهلة لذلك ؟ ( الجواب ) : ذلك بأن لهم قلوبا لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها الخ أي لا يفقهون بقلوبهم ما تصلح وتتزكى به أنفسهم من توحيد اللّه المطهر لها من الخرافات والأوهام ، ومن المهانة والصغار ، فان من يعبد اللّه تعالى وحده عن ايمان ومعرفة تعلو نفسه ، وتسمو بمعرفة ربه رب